UIT × FTSDH

أيُّ تكوينٍ في عصر الذكاء الاصطناعي؟

الجامعة الدولية بتونس والمنتدى التونسي للمعرفة يفتحان النقاش حول مستقبل التعليم

مؤتمر-نقاش · UIT · 2026

استضافت الجامعة الدولية بتونس، بالتعاون مع المنتدى التونسي للمعرفة والتنمية البشرية، مؤتمراً-نقاشاً كبيراً مخصصاً لإحدى أكثر القضايا تأثيراً في عصرنا. التقى الأكاديميون والمسؤولون والأساتذة والطلبة لاستكشاف التحولات العميقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المنظومات التربوية وعلى المؤسسات التي تحملها.

سؤالٌ لم يعد متعلقاً بالمستقبل، بل بالحاضر

في الافتتاح، ذكّر ماهر الطبربي بأن الموضوع لم يعد فرضية استشرافية بل ضرورة بيداغوجية ملحّة: فالذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل، هنا والآن، طريقة نقل المعرفة، وتقييم الكفاءات، وبناء المسارات المهنية.

ضمّ الفريق المُكوَّن لإدارة هذا التفكير شخصيات بارزة: الأستاذ أحمد فريعة، رئيس المنتدى التونسي للمعرفة والتنمية البشرية، رياضياتي ومهندس الطرق والجسور، المدير السابق للمدرسة الوطنية للمهندسين بتونس (ENIT)، ووزير التربية والعلوم سابقاً ثم وزير تكنولوجيات الاتصال، الذي حازت أعماله حول قانون السلوك اللزج-اللدن — المعروف اليوم في الأدبيات العلمية الدولية باسم قانون نورتون-هوف-فريعة — على الجائزة الدولية للتميّز العلمي؛ سعادة السفير الحبيب بن يحيى، خريج جامعة كولومبيا (نيويورك) في العلاقات الدولية، وزير الشؤون الخارجية ووزير الدفاع الوطني سابقاً، وسفير تونس السابق في بلجيكا ثم في الولايات المتحدة، والأمين العام السابق لاتحاد المغرب العربي؛ الأستاذ سمير بن أحمد، المدير الأكاديمي العام للجامعة الدولية بتونس، ومهندس إدماج منظومة LMD في تونس، والمدير السابق للمعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا (INSAT) والمعهد العالي للإعلامية؛ إضافة إلى الدكتور سامي البحري، أستاذ-باحث منتسب إلى البرامج التنفيذية لـ German Business School.

من الندرة إلى الوفرة: تحوّلٌ حضاري

الأستاذ أحمد فريعة افتتح مداخلته بصورة كلاسيكية متعمَّدة: كرسي التدريس. استبدل الكرسيَّ بمنصة، وأضف سبورة سوداء، فتحصل على قاعة الدرس في تونس أو باريس أو نيويورك أو في أعماق إفريقيا. هذا النموذج، كما أوضح، كان يقوم على فرضية بسيطة: كانت المعرفة نادرة، وكان المعلّم حاملها.

انهارت هذه الفرضية. واستناداً إلى أعمال منظّر الأنظمة ألفين توفلر، استذكر المتحدث التسارع المُذهل لحجم المعارف الإنسانية:

تضاعف المعارف الإنسانية
18
قرناً
(100 → 1700)
2
قرنان
(1700 → 1900)
60
سنة
(1920 → 1960)
أيام
اليوم
في عصر الذكاء الاصطناعي

النتيجة المباشرة: أفسحت ندرة المعرفة المجال لوفرتها. لكن هذه الوفرة تخلق بدورها ندرة جديدة — ندرة الإجابات الصائبة، والتمييز، والحُكم السليم.

«ننتقل من منطق الوصول إلى المعرفة إلى منطق استثمار المعرفة.»

الذكاء الاصطناعي: خوارزميات وبيانات، وغيابٌ تونسي مُقلق

بالعودة إلى الأسس التقنية للذكاء الاصطناعي، أكّد المتحدث على الطابع الرياضي العميق لهذا الميدان: خوارزميات، إحصاء، احتمالات، نظرية البيانات.

«بدون رياضيات، لا يوجد ذكاء اصطناعي.»

غير أن تونس لا تضمّ اليوم سوى 7% تقريباً من الطلبة الموجَّهين نحو التخصصات الرياضية، في حين تستثمر دول أخرى بكثافة في الشُّعب العلمية، بنِسَب قد تبلغ 30%. وامتدّ التوازي ليشمل الصين، التي يعود صعودها المذهل — انتقالها في عقود قليلة من إشكالية «وعاء الأرز» إلى مرتبة ثاني قوة عالمية — حسب المتحدث الذي استشهد بخطاب لفاليري جيسكار ديستان، إلى المكانة المتميزة للمهندس في المجتمع.

كما ذكّرت المداخلة بعنصر كثيراً ما يُنسى من تاريخ العلوم في تونس: منذ سنة 1986، كانت كلية العلوم بتونس تهتم بالذكاء الاصطناعي. ومُلصق من تلك الحقبة يشهد على ذلك. كيف نحوّل هذه المكتسبات إلى مسار مستدام؟

«الأمم العظيمة تمتلك ثقافة التراكم: كل جيل يُسهم بنصيبه، وطبقة فوق طبقة، يصبح البلد قوة تكنولوجية واقتصادية حقيقية.»

التحدي بالنسبة لتونس يكمن هنا تحديداً: استثمار الإنجازات، البناء على الموجود، وإدراج كل خطوة جديدة في امتداد ما سبقها. إنه منطق التراكم — السائد في أنجح المنظومات العلمية في العالم — الذي يُدعى إلى تبنّيه جماعياً من قِبَل الجامعة ومؤسسات التكوين والفاعلين العموميين.

التعليم أم التكوين: تحوّل المهمة

تركّز التفكير بعد ذلك على التمييز بين نقل المعارف والتكوين. الجانب الأول — جعل التلاميذ يستوعبون متناً معرفياً — يفقد مركزيته بقدر ما يجعل الذكاء الاصطناعي هذا المتن متاحاً فورياً. أما الجانب الثاني فيصبح حاسماً: تعلّم الفعل، والتساؤل، واتخاذ القرار، والتثبّت.

«معاقبة شاب لأنه أخطأ في حساب تكامل لم تعد المقاربة الصحيحة. الحساب أصبح في متناول الجميع. ما يهمّ هو قدرته على استثمار ما تعلّمه.»

التحوّل البيداغوجي واضح: من الحفظ والاسترجاع إلى الفهم والتقييم والحُكم والتثبّت.

الكفاءات الجديدة للقرن الحادي والعشرين

ينبثق عن هذا التحليل دفتر شروط متطلِّب للمدرسة والجامعة:

  • معرفة طرح الأسئلة الصحيحة — لأن السؤال السيئ يُنتج إجابة سيئة من الذكاء الاصطناعي.
  • تنمية الروح النقدية — جواب الذكاء الاصطناعي إمكانية، لا حقيقة مطلقة.
  • اكتساب فهم عميق للمسائل المطروحة.
  • إتقان استثمار المعرفة، لا مجرّد تكديسها.
  • تنمية حُكم سديد، الحصن الوحيد ضد أوهام الأتمتة.

هذا ما أسماه المتحدث «تنافس الذكاءات» — تلك الجبهة الجديدة التي تُحدَّد فيها اليوم تنافسية الأمم والمؤسسات.

كان المثال ملموساً وكاشفاً. لنتخيّل أننا نوكل إلى ذكاء اصطناعي تصميم مفترق طرق دون إعلامه بأن خطّ ترامواي يمرّ على مقربة منه. ستُنتج الآلة تصميماً متماسكاً تماماً من الناحية الهندسية والإنشائية. لكنها ستتجاهل ظاهرة حاسمة: التيارات الشاردة الناجمة عن مرور الترامواي ستُحدث، مع الزمن، تآكل تسليح الخرسانة المسلّحة — تدهور صامت يُهدّد مباشرة متانة المنشأة، وفي النهاية سلامة المستخدمين.

يبقى الذكاء البشري هو الذي يُحدّد السياق، ويرصد ما تجهله الآلة، ويُعيّن المعطى الغائب الذي تتوقف عليه أحياناً مدة عمر المنشأة.

الجامعة الدولية بتونس في حركة: برامج مُطلَقة بالفعل

إلى جانب نقاش الأفكار، يندرج هذا المؤتمر ضمن دينامية تشغيلية انطلقت بالفعل من قِبَل UIT وGerman Business School :

AI-Enhanced Project Manager

الدورة الأولى للبرنامج التنفيذي الذي يجمع بين إدارة المشاريع والذكاء الاصطناعي المُطبَّق على الأعمال، أُطلِقت بالفعل مع الفوج الأول.

AI for Educators

ورشة عمل مُبرمجة يوم 6 ماي القادم لفائدة هياكل التكوين والتعليم، لمواكبة التحول البيداغوجي المثار خلال المؤتمر بشكل ملموس.

◆ ◆ ◆

حوارٌ يتواصل

في الختام، اتفق المشاركون على ملاحظة واحدة: السؤال لم يعد هل سيُحوّل الذكاء الاصطناعي التكوين، بل إلى أيّ عمق ووفق أيّ قيم. تعتزم الجامعة الدولية بتونس والمنتدى التونسي للمعرفة والتنمية البشرية مواصلة هذا الحوار، إيماناً منهما بأنه يلامس، إلى ما وراء المدرسة، قدرة تونس على الحضور في تنافس الذكاءات على المستوى العالمي.

الجامعة الدولية بتونس — بشراكة مع المنتدى التونسي للمعرفة والتنمية البشرية

UIT · تكوين · ابتكار · تميّز